أبو الليث السمرقندي
92
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
بفتح الخاء على وجه الخبر ، معناه : جعلنا البيت مثابة للناس فاتخذوه مصلى . وقرأ الباقون بكسر الخاء على معنى الأمر . قال : حدثنا الخليل بن أحمد قال : حدثنا الديلمي قال : حدثنا أبو عبيد اللّه قال : حدثنا سفيان ، عن زكريا بن زائدة ، عمن حدثه ، عن عمر بن الخطاب قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يطوف بالبيت يوم الفتح ، فلما فرغ من طوافه أتى المقام فقال : « هذا مقام أبينا إبراهيم » ، فقال عمر : أفلا تتخذه مصلى يا رسول اللّه ، فأنزل اللّه تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ويقال : المسجد الحرام كله مقام إبراهيم - عليه السلام - هكذا روي عن مجاهد وعطاء . وقوله تعالى : وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ ، أي أمرنا إبراهيم وإسماعيل : أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ، أي مسجدي من الأوثان ، ويقال : من جميع النجاسات ، ثم قال : لِلطَّائِفِينَ ، أي طهرا المسجد من الأوثان والنجاسات ، لأجل الطائفين الذين يطوفون بالبيت وهم الغرباء ، وَالْعاكِفِينَ وهم أهل الحرم المقيمون بمكة من أهله وغيرهم وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ، أي أهل الصلاة من كل جهة من الآفاق . قرأ نافع وعاصم في رواية حفص طَهِّرا بَيْتِيَ بنصب الياء وقرأ الباقون بسكون الياء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ، يعني الحرم . وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ، فاستجاب اللّه تعالى دعاءه ، فتحمل الثمار إلى مكة من كل جهة ، فيوجد فيها في كل وقت من كل نوع واشترط إبراهيم في دعائه فقال : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . وإنما اشترط هذا الشرط ، لأنه قد سأل ربه الإمامة لذريته ، فلم يستجب له في الظالمين ، فخشي إبراهيم أن يكون أمر الرزق هكذا ، فسأل الرزق للمؤمنين خاصة ، فأخبره اللّه تعالى : أنه يرزق الكافر والمؤمن ، وأن أمر الرزق ليس كأمر الإمامة . قالوا : لأن الإمامة فضل ، والرزق عدل ، فاللّه تعالى يعطي بفضله من يشاء من عباده من كان أهلا لذلك ، وعدله لجميع الناس لأنهم عباده ، وإن كانوا كفارا . فذلك قوله تعالى : قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام « فأمّتعه » بالتخفيف من أمتعت ، وقرأ الباقون بالتشديد من متّعت ، يعني سأرزقه في الدنيا يسيرا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ أي مصيره ، ويقال : ملجأه إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ صاروا إليه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 127 إلى 129 ] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 ) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 )